ابن أبي الحديد
41
شرح نهج البلاغة
قال قاضى القضاة : قال شيخنا أبو علي رحمه الله تعالى : لم يثبت عندنا ولا صح عندنا ما يقال من طعن عبد الله عليه ، وإكفاره له ، والذي يصح من ذلك أن عبد الله كره منه جمعه الناس على قراءة زيد بن ثابت وإحراقه المصاحف ، وثقل ذلك عليه كما يثقل على الواحد منا تقديم غيره عليه . وقد قيل : إن بعض موالي عثمان ضربه لما سمع منه الوقيعة في عثمان ، ولو صح أنه أمر بضربه لم يكن بأن يكون طعنا في عثمان بأولى من أن يكون طعنا في ابن مسعود ، لان للامام تأديب غيره ، وليس لغيره الوقيعة فيه إلا بعد البيان . وقد ذكر الشيخ أبو الحسين الخياط أن ابن مسعود إنما عابه لعزله إياه ، وقد روى أن عثمان اعتذر إليه فلم يقبل عذره ، ولما أحضر إليه عطاءه في مرضه ، قال ابن مسعود : منعتني إياه إذ كان ينفعني ، وجئتني به عند الموت ! لا أقبله . وأنه وسط أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ليزيل ما في نفسه فلم يجب ، وهذا يوجب ذم ابن مسعود إذ لم يقبل الندم ، ويوجب براءة عثمان من هذا العيب ، لو صح ما صح ما رووه من ضربه . اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام ، فقال : المعلوم المروي خلاف ما ذكره أبو علي ، ولا يختلف أهل النقل في طعن ابن مسعود على عثمان ، وقوله فيه أشد الأقوال وأعظمها ، والعلم بذلك كالعلم بكل ما يدعى فيه الضرورة ، وقد روى كل من روى السيرة من أصحاب الحديث على اختلاف طرقهم أن ابن مسعود كان يقول : ليتني وعثمان برمل عالج ( 1 ) يحثو على وأحثو عليه حتى يموت الأعجز منى ومنه ! ورووا أنه كان يطعن عليه ، فيقال له : ألا خرجت عليه ، ليخرج معك ! فيقول : لان أزاول جبلا راسيا أحب إلى من أن أزاول ملكا مؤجلا .
--> ( 1 ) عالج : رمال بين فيد والقريات ، ينزلها بعض طي ، متصلة بالثعلبية . مراصد الاطلاع 2 : 911 .